ابراهيم بن عمر البقاعي
96
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أتم أمر الأحزاب ، أتبعه حال الذين ألّبوهم ، وكانوا سببا في إتيانهم كحيي بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك ، ونقضوا ما كان لهم من عهد ، فقال : وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ أي عاونوا الأحزاب ، ثم بينهم بقوله مبعضا : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير كحيي ، وكان ذلك بعد إخراج بني قينقاع وبني النضير مِنْ صَياصِيهِمْ أي حصونهم العالية ، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها من الحصون . ولما كان الإنزال من محل التمنع عجبا ، وكان على وجوه شتى ، فلم يكن صريحا في الإذلال ، فتشوفت النفس إلى بيان حاله ، بين أنه الذل فقال عاطفا بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي بعد الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال ، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد هذه الفوائد ، ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال . ولما ذكر ما أذلهم به ، ذكر ما تأثر عنه مقسما له فقال : فَرِيقاً فذكره بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادىء بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين : تَقْتُلُونَ وهم الرجال ، وكان نحو سبعمائة . ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة ، وقدم أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب ، أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة فقال : وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وهم الذراري والنساء ، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم ، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم . ولما ذكر الناطق بقسميه ، ذكر الصامت فقال : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ من الحدائق وغيرها ؛ ولما عم خص بقوله : وَدِيارَهُمْ لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على غيرها ؛ ثم عم بقوله : وَأَمْوالَهُمْ مما تقدم ومن غيره من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها ، فقسم ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المسلمين للفارس ثلاثة أسهم : للفرس سهمان ولفارسه سهم « 1 » كما للراجل ممن ليس له فرس ، وأخرج منها الخمس ، فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي ، واصطفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة . إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ، فتلبثت قليلا ، ثم أسلمت ، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت : يا رسول اللّه ! بل تتركني في ملكك فهو أخف عليّ وعليك ، فتركها حتى توفي عنها وهي في ملكه رضي اللّه عنها « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 2863 و 4228 ومسلم 1762 وأبو داود 2733 والترمذي 1554 وابن ماجة 2854 وابن حبان 4810 والدارقطني 4 / 102 وأحمد 2 / 62 و 72 من حديث ابن عمر . ( 2 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 4 / 24 من طريق ابن إسحاق ، وهو مرسل .